للمثقفين فقط
للكبار فقط
.
.

اعادة الهيكلة في الجزائر

 


 

وجهة نظر اثار برنامج التعديل الهيكلي على النشاط الاقتصادي/ الجزائر مثالاً (دراسة اقتصادية اجتماعية)

 الخضر عزي - محمد اليعقوبي - السعيد فكرون    

 مفهوم التعديل الهيكلي (.....) معنى التعديل الهيكلي هو مجموعة من السياسات الاقتصادية التي تهدف إلى الاصلاحات الاقتصادية ضمن البرنامج المسطر من طرف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتقوم هذه السياسات على الحد من الطلب الاجتماعي بتقليص الواردات ورفع الأسعار لتقليص العجز الخارجي، وكذلك تعديل السياسات المالية المنعكسة على التضخم وعجز ميزان المدفوعات والموجودات الخارجية الصافية للنظام المصرفي كما أن هذه السياسات تهدف إلى استعادة التوازن في الاقتصاديات الكلية من خلال السياسات النقدية والمالية وتلك المتعلقة بأسعار الصرف والدخل (أنظر: التمويل والتنمية، 1996) وهذا سعيا وراء تخفيض الانفاق مع توجيهه نحو الأنشطة التي تحقق وفرة في النقد الأجنبي، كما يهدف التعديل الهيكلي إلى تقليص العجز الخارجي والحفاظ على معدل نمو معين لزيادة الصادرات وتنمية الصناعة والزراعة. (.....) وهناك المقاييس (أنظر: Kouider, Aissa,1994 ) المرتبطة بهذا البرنامج على المدى القصير والمتوسط والطويل. فبالنسبة للمدى القصير تهدف المقاييس إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي الذي يرتكز فيه على إدارة الطلب الإجمالي على أساس وتيرة النمو للطلب الداخلي على الاستهلاك والاستثمار وكذلك الطلب الخارجي (تصدير واستيراد) واستمرار عرض السلع والخدمات على المدى القصير. أما على المستوى المتوسط فيكون هدف المقاييس هو الرفع من عرض السلع والخدمات والهدف من هذه المقاييس هو تكثيف الإنتاج للرفع من استغلال الطاقات وكذلك الابتعاد عن بعض التشوهات الناتجة عن عدم مرونة الأسعار ووجود الاحتكارات والقيود التجارية وعدم صلاحية النظام الجبائي، إضافة إلى ذلك هناك تحرير التجارة الخارجية وحسن الخيار بين الاستثمار العمومي والاستثمار الخاص. أما على المدى الطويل فإن هدف المقاييس زيادة الفعالية في الاقتصاد لدعم إنتاجية عوامل الإنتاج وزيادة الادخار بالنسبة للاستهلاك وكذا المحافظة على الاستقرار الاقتصادي. أسباب التعديل الهيكلي تتمثل الأسباب الجوهرية في الأزمة الاقتصادية والتي مرت بثلاث مراحل وهي مرحلة انفجار الأزمة، مرحلة الاصلاحات الاقتصادية، مرحلة الوضع الاقتصادي قبل التعديل الهيكلي. ففي المرحلة الأولى كان هناك عجز في تمويل البلاد بالمواد الأولية والنصف مصنعة وكذلك الأزمة البترولية لعام 1986 والتي أنخفض فيها سعر البرميل إلى 10 دولار للبرميل الواحد وانخفاض معدل النمو الاقتصادي إلى 0.6%، ونقص مستوى الاستهلاك العائلي بنسبة 0.4% وانخفاض الاستثمار بنسبة 4.2% مع انخفاض مناصب الشغل الجديدة بنسبة 40% وارتفاع معدل التضخم بمعدلات قياسية مع معدل البطالة وانخفاض في معدلات الاستثمار مما أدى إلى انخفاض معدل النمو للانتاج الصناعي من غير المحروقات إلى -2.6% سنة 1986 ليصل سنة 1989 إلـى -2.7% كما انخفضت قيمة الدينار الجزائري. أما في مرحلة الاصلاحات الاقتصادية التي تمت سنة 1989 والتي تم فيها تعديل دستور الجزائر في إطار الاصلاحات الاقتصادية بإجراء تغييرات تمثلت في حذف الفصل الثاني المتعلق بالاشتراكية وحصر الملكية العامة في الثروات الطبيعية وتقرير حق الملكية الخاصة دون أي قيد بالإضافة عن التخلي عن احتكار الدولة للتجارة الخارجية (أنظر: بهلول) وهكذا تقرر عدم تدخل الدولة في تسيير أو إدارة المؤسسات الاقتصادية العمومية، أما فيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي فقد تقرر تحديد علاقة جديدة لحركة رأس المال مع الخارج ولذلك صدر قانون 90-10 المؤرخ في 14 نيسان 1990 والمتعلق بالنقد والقرض حيث نص صراحة على فتح فروع للبنوك الأجنبية مع الترخيص لغير المقيمين بتحويل رؤوس الأموال إلى الجزائر (أنظر: لعشب) لكن الوضع الاقتصادي قبل التعديل الهيكلي كان كارثياً حيث أظهرت الإحصائيات عدم تحقق النمو وإنعاش التنمية ولم يتم حقيقة الانتقال التدريجي إلى اقتصاد السوق، حيث زاد الوضع تأزما باتجاه مسار النمو السالب بانخفاض معدل النمو في نهاية 1993 إلى -0.2% في الوقت الذي كان ينتظر أن يصل إلى 2.1%. وهناك عوامل أخرى لا تقل أهمية ساهمت في الوصول إلى التعديل الهيكلي منها:  1- ارتفاع أسعار الفائدة التي اقترنت بها مجموعة من الدول النامية بما فيها الجزائر التي أصبحت تستنزف جزءا كبيرا من إيرادات صادراتها. 2- الحماية الجمركية من حيث التحيز في التمييز بين منتجات الدول النامية والدول الرأسمالية. 3- التضخم المستورد. 4- تدهور شروط التبادل التجاري. 5- سياسة الانفتاح الفاشلة في قطاع التجارة الخارجية. 6- عجز موازين المدفوعات. 7- الأمن الغذائي بحيث لا يوجد توازن بين النمو السكاني والنمو في إنتاج الغذاء. 8- الفساد الإداري وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج. 9- فشل نمط التنمية وزيادة حدة البطالة ونقل التكنولوجيا وهجرة الأدمغة. وسائل التعديل الهيكلي وضعت الجزائر خلال التوقيع على الاتفاق مع صندوق النقد الدولي برنامجا يحتوي على وسائل مختلفة وضعت لحل الأزمة التي تعاني منها الجزائر، ويمكن تقسيم هذه الوسائل إلى: أ- الوسائل المتعلقة بالاقتصاد الكلي: تتمثل في إعادة هيكلة المؤسسة العمومية من حيث إعادة تنظيم التسيير الداخلي لها ووضع استراتيجية التكيف والتحكم مع الأخذ بعين الاعتبار السوق والتطور التكنولوجي لخلق القيمة المضافة في الإنتاج وتعزيز النظام الإعلامي والاتصال في المؤسسة، وهكذا قررت الحكومة مواصلة عملية تطهير المؤسسات اتجاه استقلال المؤسسة أو توسيع رأس مالها وتقرر في شأن المؤسسات العودة إلى التعامل بالمقاييس العالمية عن طريق الاعتماد على مواردها، وهكذا انتقلت المؤسسات إلى الاستقلالية مع الانفتاح على السوق الدولي وخلق المنافسة وترقية السوق المحلية بمنافسة الواردات كما أكد البرنامج على استمرار عملية الخصخصة وتكون في البداية في مجال السياحة والتجارة والنقل والصناعات الغذائية من مبدأ العمل وفق عقود النجاعة كما أن البرنامج يتضمن استكمال تطهير 23 مؤسسة عمومية وإنعاشها وإنشاء قروض التصدير واستبدال صناديق المساهمة بالشركات القابضة (......). أما بند الحماية الاجتماعية فقد (.......) خصصت الحكومة قوانين وإجراءات تهدف إلى تأمين وحماية الطبقات الاجتماعية التي تعيش في وضعية صعبة، لهذا خصصت الحكومة قوانين لحماية العمال حيث تقرر بالنسبة للفئة الأولى منح مساعدات عن طريق إنشاء صندوق التأمين على البطالة أو عن طريق تسيير التشغيل الذي وضع خصيصا للتكفل بهم قبل الشروع في طردهم. إذ على المؤسسة مراعاة عدة اعتبارات منها السعي نحو تحويل فائض من العمال نحو نشاطات جديدة، (.......) أما بالنسبة للعمال المحالين على التقاعد المسبق فقد تقرر إنشاء صندوق يخصهم يدعى صندوق التقاعد المسبق. من ناحية ترقية الاستثمارات، ففي خلال شهر آب 1994 وفي إطار إنعاش وتنمية الاستثمار تقرر دراسة 430 مشروعا استثماريا تخص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتم معالجة 375 مشروعا فقط حيث منحت لهذه المشاريع امتيازات جبائية. (.....) وفي إطار تشجيع الاستثمار فقد جاء في برنامج التعديل الهيكلي خصخصة البنوك بغرض فتح المجال لإنشاء مؤسسات مالية غير مرتبطة بالدولة والتي من شانها تشجيع الاستثمار في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتشجيع القطاع الخاص على العمل بمنحها القروض. ب- الوسائل المتعلقة بالتجارة الخارجية: حرص في مجال التجارة الخارجية في تطبيقها لبرنامج استقرار على ضرورة النجاح في السياسة الجديدة للتجارة الخارجية التي احتلت المكانة الرئيسية في البرنامج الذي يتضمن عدة نقاط نلخصها فيما يلي: 1- إنشاء قانون خاص بالتجارة الخارجية 2- السياسة الجبائية: اتخذت عدة تدابير في مجال الجباية تتمثل في تقليص أو إظهار الإعفاء من الرسم على القيمة المضافة والإعفاء من رفع نسبة الضريبة على أرباح الشركات المعاد استثمارها...  3- السياسة الجمركية: في مجال الإجراءات الجمركية سطرت تدابير خاصة تتمثل في رفع نسبة الحقوق الجمركية لحوالي 29 سلعة بهدف حماية المواد المصنعة محليا أمام المستوردة، كما تم تعديل قانون الجمارك بالاعتماد على استراتيجية عمل ترتكز على تسهيلات إدارية تهدف إلى حماية الإنتاج وتمويل الخزينة العمومية تماشيا مع اقتصاد السوق. 4- تخفيض قيمة العملة المحلية... بغرض تحقيق المساواة بين أسعار السلع والخدمات المحلية والأجنبية. 5- تحرير التجارة الخارجية... نتائج وانعكاسات مسار برنامج التعديل الهيكلي لا بد من تقييم مسار برنامج التعديل الهيكلي، حيث انتهت الاتفاقية المبرمجة مع صندوق النقد الدولي في 23 مايس 1998، لذلك أصبح من الضروري تطبيق هذا البرنامج لمعرفة مدى نجاعته أو فشله في إصلاح الاقتصاد الجزائري، وهناك رأيان، رأي الهيئات المالية الدولية، ورأي خبراء الاقتصاد. فبالنسبة للهيئات الدولية أي صندوق النقد والبنك الدولي والمتعاملين الأجانب، بعد أربع سنوات من لجوء الجزائر والعمل مع مؤسسات بريتن وودز وموافقتها على تطبيق برامج الاستقرار الاقتصادي فقد شهدت تحولات جذرية في اقتصادها، حيث تحول الاقتصاد الجزائري من اقتصاد يعتمد على القطاع العام والتخطيط المركزي لتحقيق التنمية إلى اقتصاد يسيطر عليه القطاع الخاص ويسير حسب آليات السوق، وكما تشير الإحصائيات الرسمية فإن الجزائر قطعت شوطا كبيرا للوصول إلى مؤسسات اقتصادية تم استعادة نشاطها وحسب خبراء صندوق النقد الدولي، فالجزائر حققت التوازنات الكبرى وذلك بالتزامها بتطهير مؤسسات القطاع العام وإعادة هيكلتها كما استطاعت الجزائر تحقيق تقليص في عجز الميزانية إلى 1.4% من الناتج الداخلي الخام سنة 1995 بعد أن كان 4.4% سنة 1994 كما استطاعت الوصول بالناتج الداخلي الخام إلى 4.3% سنة 1995 بعد عامين من التدهور بفضل ارتفاع الصادرات عن طريق رفع رصيد المحروقات، واستنادا إلى هذه البيانات فالجزائر في نظر خبراء الصندوق هي بمثابة تلميذ جيد عرف كيف يلتزم بالتعاليم المملاة عليه، حيث ورغم الظروف الصعبة فقد شجع أعضاء الصندوق الجزائر على قدرتها في التحكم في معدل التضخم والوصول به إلى 4.8% سنة 1998، بعد أن تجاوز سنة 1994 نسبة30% وكذلك الانتقال من وضعية سلبية للنمو (-1.2%) سنة 1994 إلى 4% سنة 1997 وتحقيق احتياطيات صرف قدرت ب: 8.5 مليار دولار، وهي تمثل وضعية سيولة لم تحقق أبدا من طرف الجزائر كما أن نسبة خدمة الدين تطورت من 48.6% سنة 1994، 43.8% سنة 1995 لتنتقل إلى 36.9% وقد حقق الميزان التجاري فائض قدره 3.5 مليار دولار سنة 1996 (أنظر: أحمد بن بيتور، 1996) مما مكن الدولة من متابعة سياستها للتخلص من مديونيتها تجاه الخزينة حيث انخفضت إلى 34.77 مليار دينار سنة 1996 وتحول عجز الميزانية إلى فائض يساوي 1.3% من الناتج الداخلي الخام في نهاية آذار 1997، كما حقق سعر الصرف للدينار استقرارا في حدود 1 دولار= 56 دج، هذا ما جعله قادرا على منح ضمانات للمستثمرين حيث تم إبرام 7000 مشروع استثماري بقيمة تفوق 50 مليون دولار كما تم وضع احتياطي صرف في حدود 8.5 مليار دولار وهذا يعني أن سنة من الواردات في سنة 1997، وقد سمحت إجراءات التقشف في النفقات العمومية من تقليص العجز المالي للمؤسسات الاقتصادية إلى 37 مليار دينار بعدما كان يتجاوز سابقا 70 مليار دينار، وبلغت خدمة الدين حاليا 53% من قيمة المداخيل بعدما كانت تقارب 100% ومن بين القطاعات التي عرفت أكبر نمو نلاحظ قطاع الفلاحة حيث وصل إلى 19.5% سنة 1996 نتيجة الظروف الطبيعية بطبيعة الحال، وعرف قطاع المحروقات ارتفاعا بسبب اكتشاف آبار وبداية اعتماد الجزائر على تصدير الغاز، أما قطاع البناء والأشغال العمومية المستقطب لأكبر نسبة من العمالة فقد انتقل النمو فيه من 0.9% عام 1994 إلى 4.5% سنة 1996 ليتدحرج إلى 2.4% سنة 1998 بينما معدل نمو الصناعة فقد انتقل من -3.9% سنة 1997 إلى 4.6%، بفضل هذه النتائج تمكنت الجزائر من احتواء انهيار الدينار مع تقليص معتبر للتضخم ومن ثم تسديد ما قيمته 150 مليار من ديونها سنة 1999 . أما تقييم الخبراء فقد تم من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فمن الناحية الاقتصادية أجمع المتخصصون في الاقتصاد على أن الاقتصاد الوطني لم يخرج من دائرة الخطر، فرغم التحسينات الملحوظة تبقى الأوضاع هشة، ويرى الخبراء أنه من الصعب الاعتماد على المؤشرات الاقتصادية المحققة للتأكيد على أن الاقتصاد قادر على ضبط توازنه على المدى الطويل وتحقيق نسب نمو تفوق 4% أو 5% بالموازات في التحكم في نسب التضخم في حدود تقل عن 7%، فالاستقرار الاقتصادي غير قائم على نتائج القطاعات الداخلية بل يعتمد على تعزيز مكانة المحروقات للمحافظة على التوازنات الكبرى، وهو مشكل في حد ذاته ذلك راجع لالتزام الجزائر بحصتها داخل الأوبك والتي تمثل 908 ألف برميل يوميا عن الفائض في السوق النفطية وتقلب أسعار البترول، فالجزائر تعتمد على توفر الموارد الطبيعية لتسديد ديونها مع أن هذه الموارد ممولة بقروض حيث أن 40% من الديون ناتجة عن سعي الدولة في تحقيق برنامجها الغازي، لذا يرى الخبراء أن الإصلاحات جاءت متأخرة وكان لا بد على الجزائر أن تقوم بها منذ 1986 وهي السنة التي تدهورت فيها أسعار النفط وظهر انعكاسها المباشر على الخزينة، هناك كذلك تفاقم العجز الغذائي الذي أصبح يمثل 80% حيث أن الإحصاءات كشفت على أن إنتاج الحبوب لم يتغير من سنة 1962 إلى سنة 1998 مع أن عدد السكان تضاعف ليصل 26 مليون نسمة، أما بخصوص قطاع الصناعة فقد عرف نموا سلبيا إذ تراجع بنسبة -3.9% سنة 1997، هذه النتائج السلبية تنذر بصعوبة إنقاذ قطاع الصناعة مما يؤكد أن المؤسسات العمومية لم تتكيف بعد مع مبدأ التنافس فهي تسعى للاحتفاظ بهامش الربح مع رفع الأسعار بدلا من تقليص التكاليف، أما من الناحية الاجتماعية ورغم النتائج الاقتصادية المحققة إلا أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من إجراءات جبائية تمثلت في رفع الضرائب مما أثر على القدرة الشرائية للمستهلكين حيث أن سياسة إعادة الهيكلة للمؤسسات العمومية أدت إلى تسريح أكثر من 260 ألف عامل وزادت من تفاقم ظاهرة البطالة التي وصلت إلى 28.2% لسنة 1997 ليصبح هذا الرقم من أعلى المعدلات في العالم بعد أن كانت هذه النسبة 16.5% سنة 1985، وهذا ما حرك موجة الاحتجاجات العارمة في أوساط العمال، ويقول الملاحظون أنه لولا الوضع الأمني لتعرضت البلاد إلى انفجار اجتماعي، إضافة إلى هذا فالسياسة التقشفية التي تبنتها الحكومة أدت إلى تراجع المنظومة الصحية والتعليمية بسبب انخفاض اعتماداتها المالية، وفي إطار تحقيق الاستقرار قامت الدولة بتخفيض القدرة الشرائية عن طريق تجميد الأجور وتحرير الأسعار، حيث أن أسعار المواد الغذائية تطورت بمعدلات مرعبة. الانعكاسات الاقتصادية لبرنامج التعديل الهيكلي على القطاع الاقتصادي القطاع الصناعي: أصاب الانكماش مختلف القطاعات الاقتصادية ولكن بدرجات متفاوتة، وكان القطاع الأكثر تضررا هو القطاع الصناعي، فقد أثر انخفاض الإنتاج فيه وظلت معدلات استخدام قدراته متدنية وتدهورت مالية المؤسسات وتم حل العديد من المؤسسات، فمثلا بالنسبة للانتاج، فقد هبط مؤشر الإنتاج بأكثر من 11 نقطة بين 1994 و1997، وأكثر المؤسسات المتضررة من الانكماش هي المؤسسات المعملية التي تشكل هيكل الإنتاج العصري، أما الصناعات الوحيدة التي شهدت نموا مطردا فهي فروع الطاقة والمحروقات، وقد ارجع هدم البنية المالية للمؤسسة إلى ظاهرة التمويل على المكشوف وحده، فقد لوحظ تأزم قوي بين تخفيض قيمة الدينار وتضخم المكشوفات المالية للمؤسسات العمومية، وقد ارتفع هذا المكشوف على الحساب بالنسبة إلى مجموع القطاعات الصناعية من 9 مليار دينار سنة 1995إلى أكثر من 13 مليار دينار في نهاية 1996، وهو يمثل 28% من رقم الأعمال الإجمالي، ويرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي الوطني أن القطاع الصناعي كان له مالية ايجابية تقدر بـ: 8مليار دينار سنة 1993، وقد بدأ ظهور التمويل على المكشوف سنة 1994 بمبلغ 10 مليار دينار. (........) إن برامج التصحيح أدت إلى حل 800 مؤسسة منذ 1994، وانجر عن ذلك انخفاض في عدد العمال وحتى سنة 1998 فقد تم تخفيض عدد العمال بوضع 118299 في المؤسسات العمومية مقابل 947 في المؤسسات الخاصة، فمن خلال البيانات يلاحظ أن العمال الذين شملتهم عمليات التخفيض يعادل حوالي 5% من مجمل السكان المشغولين في القطاع المهيكل عام 1997، هذا ما يبين إلى أي مدى كانت انعكاسات عملية إعادة الهيكلة سلبية على التشغيل، هذا ما إذا أضفنا إلى عدد العمال الذين شملتهم عمليات التخفيض واختاروا التقاعد المسبق فإننا نصل إلى عدد 264 ألف عامل شملتهم الإجراءات المذكورة، وهذا يمثل 6% من السكان المشغولين. القطاع الفلاحي: بدأت الاصلاحات الهيكلية في الفلاحة سنة 1987 ونلاحظ أن بعض المزروعات زادت بشكل ملحوظ فيما سجلت مزروعات أخرى تراجعا كبيرا، ففي إنتاج المزروعات الصناعية تم ضربه في ثلاثة ما بين 1988 إلى 1994، بينما زاد الإنتاج في اللحوم الحمراء بنسبة 36% ، بينما إنتاج الحبوب بلغ -22% والعلف -45% ، والخضر الجافة 14% واللحوم البيضاء -7% ، وهذه المعاينة تظهر أن الإنتاج الزراعي الاستراتيجي تراجع تاركا المجال للمزروعات تجلب أكثر ربحا للمنتج، وأن الأسعار الفلاحية للخضر والفواكه تم تحريرها سنة 1982 ويلاحظ أن هذا التحرير لم يأت بتنمية ذات شأن للانتاج، فإن الواردات من المواد الغذائية لم يتم تقليصها بل تفاقمت التبعية الغذائية اتجاه الخارج ومازال الإنتاج من الخضر والفواكه غير كاف رغم أن الواردات تميل نحن الانخفاض منذ أن قبلت الجزائر إعادة جدولة ديونها. وخلاصة القول أن الاصلاحات الهيكلية التي بدأتها الجزائر منذ سنة 1988 بغية معالجة الاختلالات الهيكلية التي ميزت الاقتصاد الوطني والتي وجدت تفسيرها في عجز ميزان المدفوعات وتفاقم أعباء الديون الخارجية بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، لكن لم ينتج عن هذه الإصلاحات الهيكلية إلا نتائج ظرفية مرتبطة بتطبيق البرنامج من ناحية البعد الزمني، وهذا راجع لعدم الاستقرار السياسي، وأمام هذه الأوضاع المزرية لم يكن للجزائر خيار إلا قبول أصعب وسيلة للخروج من النفق حيث تبنت سياسات التعديل الهيكلي بالاتفاق مع المؤسسات الدولية وهذا ما سمح لها بتأخير آجال تسديد ديونها الخارجية بالاتفاق مع كل من نادي باريس ونادي لندن على إعادة جدولة ديونها العمومية وديونها الخاصة اثر التوقيع على هذه الاتفاقيات حيث تحصلت الجزائر على مساعدات مالية من عدة جهات لتدعيم الاصلاحات الهيكلية المتفق عليها.

 

(0) تعليقات

Add a Comment



Add a Comment

<<Home


.
.